ابن عبد البر

93

الدرر في اختصار المغازي والسير

ثم خرج منها راكبا ناقته متوجها حيث أمره اللّه ، فأدركته الجمعة في بنى سالم [ بن عوف ] فصلّاها في بطن الوادي ( 1 ) ، فخرج إليه رجال من بنى سالم ، منهم العباس بن عبادة وعتبان ابن مالك ، فسألوه أن ينزل عندهم ويقيم ، فقال : خلّوا الناقة ( 2 ) فإنها مأمورة . ونهض الأنصار حوله حتى أتى [ دور ] بنى بياضة ، فتلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال منهم / فدعوه إلى النزول والبقاء عندهم ، فقال عليه السلام : دعوا الناقة فإنها مأمورة . ومضى حتى أتى [ دور ] بنى ساعدة ، فتلقاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ورجال من بنى ساعدة ، فدعوه إلى النزول والبقاء عندهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : دعوا الناقة فإنها مأمورة . ومضى حتى أتى دور بنى الحارث ابن الخزرج ، فتلقاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد اللّه بن رواحة ، فدعوه صلى اللّه عليه وسلم إلى البقاء عندهم ، فقال : دعوا الناقة فإنها مأمورة . ومضى صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى دور [ بنى ] عدى بن النجار وهم أخوال عبد المطلب ، فتلقّاه سليط بن قيس وأبو سليط يسيرة ( 3 ) بن أبي خارجة ورجال من بنى عدى بن النجار ، فدعوه إلى النزول عندهم والبقاء ، فقال : دعوها إنها مأمورة . ومضى صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى دور بنى مالك بن النجار ، فبركت الناقة في موضع مسجده صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يومئذ مربد تمر لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار وهما : سهل وسهيل ، كانا في حجر معاذ بن عفراء ، وكان فيه وحواليه نخل وخرب وقبور للمشركين ، فبركت الناقة ، فبقى عليه السلام على ظهرها لم ينزل ، فقامت ومشت قليلا وهو لا يهيجها ثم التفتت [ خلفها ] فكرّت إلى مكانها وبركت فيه واستقرّت ، فنزل عنها / صلى اللّه عليه [ وسلم ] ( * ) .

--> ( 1 ) وادى بنى سالم ، وقيل أنه صلى في وادى رانوناء . انظر ابن هشام 2 / 139 ( 2 ) وكان عليه السلام راكبا ناقته . ( 3 ) في بعض الروايات : أسيرة . * قلت : الحكمة البالغة من اللّه عز وجل في إحالة الأمر على الناقة ان يكون تخصيصه عليه السلام لمن خصه الله بالنزول عنده آية ومعجزة تطيب بها النفوس وتذهب معها المنافسة ولا يحيك ذلك في صدر أحد منهم شيئا . واللّه أعلم .